فخر الدين الرازي

164

تفسير الرازي

بعضها في بعض . قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر ، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض ، وأما الحرج فهو الضيق . قال الواحدي : يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه : حرج ، وجمعه حراج ، وأما التسليم فهو تفعيل يقال : سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة ، وسلم هذا الشيء لفلان ، أي خلص له من غير منازع ، فإذا ثقلته بالتشديد فقلت : سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له ، هذا هو الأصل في اللغة ، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم : سلم عليه ، أي دعا له بأن يسلم ، وسلم إليه الوديعة ، أي دفعها إليه بلا منازعة ، وسلم إليه أي رضي بحكمه ، وسلم إلى فلان في كذا ، أي ترك منازعته فيه ، وسلم إلى الله أمره أي فوض إليه حكم نفسه ، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة ، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له . المسألة الرابعة : اعلم أن قوله تعالى : * ( فلا وربك لا يؤمنون ) * قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط : أولها : قوله تعالى : * ( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) * وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا . واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي المعصوم قال : لأن قوله : * ( لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) * تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه ، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى ، فمن معطل ومن مشبه ، ومن قدري ومن جبري ، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته ، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق ؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق ، فإذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال ، ومن الضعف إلى القوة ، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الإلهية . والذي يؤكد ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة ، والذين بعدوا عنه اضطربوا أو اختلفوا ، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين ، فثبت ان الأمر كما ذكرنا ، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، فيقال له : فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك ، فإذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به ، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الاله ، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة لزم الدور ، وهو محال .